السيد هادي الخسروشاهي

105

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

فالحكماء يعبّرون عنها بالعقل الهيولاني ، والعقل بالفعل ، والعقل بالملكة ، والعقل المستفاد ، ومقام القلب ، ومقام الروح ، ومقام النفس . والعرفاء يسمّونها بالمقامات ، وهي : الطبع والصدر والقلب والروح والسرّ والخفيّ والأخفى . والطبيعيون يعرّفونها بالأطوار ، وهي تبدأ بالطفولة العاجزة ، وتمرّ بالنضوج ، والرقّية ، والحرية ، واستكمال العقل ( الاستكمال الروحاني والجسماني ) ، ثمّ تنتهي بالكمال . وهؤلاء وأولئك يتّفقون في تقسيمها كذلك إلى سبعة منازل ، وهو أشبه ما يكون بتقسيمنا اليوم إلى ليل ونهار ، لأنّ الظلمة تفرّقهما ، والحال أنّ كلّ دقيقة وثانية وثالثة ، فيها تغيّر وتبدّل . وهكذا الإنسان يتنقّل من طفولة عاجزة ، إلى صبا وثّاب ، إلى كهولة وشيخوخة ، وكلّها هجرة إجبارية ، لا تحكّم له فيها ولا خيرة ، بل هي سنّة من سنن اللَّه في عباده « وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا » « 1 » . أمّا الهجرة المعنوية ، فهي هجرة النفس من صفة إلى صفة ، ومن خصلة إلى خصلة ، ومن خلق إلى خلق ، ومن درجة أدنى إلى درجات أعلى ، ومن عادات ضارّة إلى أخرى مفيدة ، ومن تقاليد فاسدة إلى غيرها صالحة ، ومن تعصّب للسخافات إلى تعشّق للتسامح ، وتطلّع للكمال . وهذه الهجرة المعنوية طبيعية بالنسبة لمن جعل الدين مرشده ، واتّخذ من تعاليمه دليله ، وضرورية بالنسبة لأصحاب الدعوات والمجاهدين في سبيل الفكرة ، الذين لا يهاجرون بأنفسهم فحسب ، بل يهاجرون بالناس من السيء إلى الحسن ، ومن الحسن إلى الأحسن ، ومن الأخلاق الذميمة إلى الكريمة ، ومن مواطن السوء والرذيلة إلى مواطن الخير والفضيلة ، ويدفعون الناس إلى الكمال ، وإلى ما فيه صلاح دنياهم وأُخراهم .

--> ( 1 ) . الأحزاب : 62